همجية الحروب..

همجية الحروب..
الخميس 16 أبريل 2026 - 20:08

مفهوم الحرب البشعة

منذ أن وُجد الإنسان على هذه الأرض، ظلت الحرب الوجه الأكثر قسوة في تاريخه، عنوانًا للدمار، ومرادفًا للدموية والتشريد والتهجير. وإلى نهاية القرن العشرين، لم يكن مفهوم الحرب يختلف كثيرًا عن صور الخراب التي تخلّفها: مدن مدمّرة، وأرواح تُزهق، وشعوب تُقتلع من جذورها. في خضم هذا المشهد القاتم، يظل آلاف المفقودين عالقين في طيّ النسيان، لا يُعرف لهم مصير، وكأنهم لم يكونوا يومًا جزءًا من هذا العالم.

النزوح القسري والتشرد

وتتوالى أفواج النزوح القسري، حيث تُجبر عشرات الآلاف من الأسر على ترك بيوتها وأراضيها هربًا من ويلات القصف والخوف، لتبدأ رحلة جديدة من المعاناة في مخيمات اللجوء أو في مجتمعات لا تملك ما يكفي لاحتوائها. ويترتب عن ذلك اتساع رقعة الفقر والهشاشة، خاصة في دول الجنوب، حيث تتداخل الأزمات الاقتصادية مع تداعيات الحروب، فتتفاقم معاناة الإنسان في أبسط حقوقه: العيش الكريم.

الحرب حاليا أو الوحشية غير مسبوقة

أما اليوم، فقد تغيّر شكل الحرب، لكنها لم تفقد همجيتها. لم تعد دائمًا مواجهة مباشرة بين الجيوش، بل أصبحت في كثير من الأحيان “ضغطة زر” تُطلق صواريخ مدمّرة أو طائرات مسيّرة تُزهق الأرواح عن بُعد. ورغم هذا التطور التكنولوجي، فإن الأهداف تظل لاإنسانية، بل ربما أشد فتكًا، حيث تُرتكب أخطاء قاتلة بسبب حسابات عمياء في التقدير، تفضي إلى نتائج كارثية ومجازر مدنية غير مسبوقة.

ميزانية تكفي لتشييد مدن

لقد شهد العالم، ولا يزال يشهد، نماذج صارخة لهذه الحروب في عدة مناطق، من روسيا وأوكرانيا إلى غزة ولبنان، وأخيرًا إيران، حيث تتكرر المآسي، وتُعاد نفس السيناريوهات من القتل والدمار، وكأن الإنسانية لم تتعلم شيئًا من دروس الماضي. في كل يوم، تلتهم نيران الحروب ميزانيات ضخمة كان من الممكن أن تُستثمر في بناء مدن، وتطوير التعليم، وتحسين حياة الملايين، لكنها تُهدر في سباق التسلح وصناعة الموت.

غطرسة سلطة المال

وفي خضم هذه الفوضى، يبرز سؤال ملحّ: أين دور المنظمات الدولية؟ لقد بدا هذا الدور في كثير من الأحيان عاجزًا أمام غطرسة القوى الكبرى ونفوذ المال والسلطة، حيث تُشلّ القرارات، وتُؤجَّل الحلول، ويُترك الأبرياء لمصيرهم. وهنا يتردد صدى سؤال أكبر: أين هو “الضمير الإنساني”؟ هل أصبح مجرد مفهوم نظري حبيس الكتب والوثائق، أم أنه ما زال قادرًا على الاستيقاظ لإنقاذ ما تبقى من إنسانية هذا العالم؟

اعتقال “الضمير البشري”

إن الحروب، مهما تغيّرت أدواتها، تظل جريمة في حق الإنسان، والنزوح القسري وصمة عار في جبين المجتمع الدولي. ولن يكون المستقبل أكثر أمانًا إلا إذا أدركت البشرية أن السلام ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة وجودية، وأن كرامة الإنسان يجب أن تكون فوق كل حسابات القوة والمصالح.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • MC
    السبت 18 أبريل 2026 - 23:03

    “War is deeply ingrained in human nature, and even while the savages may be at peace, they are still at war with reason”
    “الحرب مُترسّخة بعمق في الطبيعة البشرية، وحتى عندما يعيش الهمج في سلام، يظلون في حرب مع العقل”
    Immanuel Kant
    (1724-1804)

    “War grows out of ordinary human nature”
    “الحرب تنبع من الطبيعة البشرية العادية”
    Bertrand Russell
    (1872-1970)

    أستاذ عبد اللطيف،
    كلماتك موجعة، لكنها تُشبه صدى قديمًا يتكرر منذ فجر التاريخ، كأن البشرية تبكي الجرح نفسه بأسماء مختلفة.
    منذ أول دم سُفك على هذه الأرض، ونحن نعيد الحكاية ذاتها: خوف، طمع، وصراع لا ينتهي، وكأن الذاكرة الإنسانية قصيرة أو مثقلة بالعجز.
    نغيّر الأسلحة ونُجمّل الخطاب، لكن القلوب التي تُشعل الحروب لم تتغيّر كثيرًا، وما زال الإنسان يقف عاجزًا أمام ظله.
    حتى صرخة الضمير التي تبحث عنها، كم مرة ارتفعت ثم خمدت أمام صخب القوة والمصالح؟
    ربما الألم الحقيقي ليس في أن الحروب مستمرة، بل في أننا في كل مرة نندهش، وكأننا لم نتعلم أن هذه طبيعتنا حين نضعف.
    “الإنسان لا يخاف من الحرب لأنه يجهلها، بل لأنه يعرفها جيدًا ويعجز عن منعها”

    ALHOCEIMA

  • إفراغ السكان!
    الأحد 19 أبريل 2026 - 07:39

    أبشع أسلوب ظهر أخيرا في الحرب الهمجية ، ما تفتقت عليه عقلية الصهاينة في حربهم على غزة وجنوب لبنان ، فقد كانوا يقذفون بمنشورات على اﻷحياء السكنية بضرورة إفراغها قبل أن يطالها القصف الصهيوني ، ما دفع بموجات اﻷهالي والسكون إلى الهرب والنزوح ، وهو أسلوب ظالم تسبب في التشريد والتقتيل ، فضلا عن كون الحرب بهذا الوجه الهمجي البشع ، لاحظنا سيما في غزو أمريكا لإيران استعمال تكنولوجيا عسكرية متطورة قربتنا من أفلام الهوليود ، وتكلفتها جد عالية ، ولكن معروف من يدفع الفاتورة.

  • amaghrabi
    الأحد 19 أبريل 2026 - 08:19

    شكرا سيدي عبد اللطيف على اهتمامك بسفك دماء بشرية التي وهبها الله عقولا لتهتدي الى السلم والسلام واحترام النفس البشرية التي خلقها الله من اجل العيش في سلام وهناك حديث يقول “لهدم الكعبة حجرا حجرا على ان توهق نفس بشرية واحدة” والحديث بالمعنى.والقرءان الكريم يقول “ان من قتل نفسا واحدة وكأنما قتل الناس جميعا ومن احيى نفسا واحدة وكأنما احيى الناس جميعا” والاية كذلك بالمعنى .والغريب في الامر ان سفك الدماء انطلقت مه ابناء أدم وحواء في حياتهما وكانت الكرة الارضية خالية من السكان وبالتالي الا يوحي ذلك انها سنة بشرية لان البشر فيهم الصالح وفيهم الطالح فيهم من يحب الخير وفيهم من تربى على الشر ,صراحة اليوم لا اتهم لا الغرب ولا الشرق لا الاقوياء ولا الضعفاء لانهم كلهم في الهوى سواء كلهم يتحملون مسؤولية سفك دماء البشرية واشكر كذلك معلقنا المحترم الذي سبقني بتعليق واقعي جميل كعادته

  • Hassan
    الإثنين 20 أبريل 2026 - 01:38

    همجية الانسان تتجلى في الحروب يطور وسائل الإبادة ينشر الخوف و الترهيب يناصر الاستبداد والفساد. يشرع بمكيالين يوزع الثروات بموازين غير متكافئة تدليل الغني و اذلال الفقير

  • KITAB
    الإثنين 20 أبريل 2026 - 19:09

    شهدنا مؤخرا ، ومنذ اندلاع حرب غزة ، أبشع الجرائم التي قد ترتكب ضد المدنيين العزل ، شهدنا مجازر ربما غير مسبوقة ، شهدنا عتادا فتاكا لا يرحم ، شهدنا قنص أشخاص مدنيين راجلين أو راكبين في طريقهم إلي بيوتهم ، شهدنا الطيور والوحوش الضارية نفسها تستنكر ما تفتقت عنه العقلية الصهيونية من قبيل “إفراغ الأحياء من السكان” تمهيدا لقصفها ، شهدنا تدمير جسور ووسائل العيش ، شهدنا تدنيس مياه الشرب ، شهدنا مصادرة ممتلكات عائلات ، شهدنا الاغتيالات بأعداد لا تحصى ، ولكن مقابل كل أوجه البشاعة هذه ، شهدنا تنامي تيار عالمي جارف بمقت وكراهية الصهاينة والصهيونية ، أينما كانت وكانوا ، سلمات

  • MC
    الإثنين 20 أبريل 2026 - 22:35

    إلى KITAB

    El diario de Ana Frank
    The Diary of Anne Frank
    Le Journal d’Anne Frank
    مذكرات آن فرانك

    ما زلت أتذكر في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، حين كنت أتابع عبر التلفزيون الإسباني كيف تُبنى سردية كاملة عن الألم الإنساني، لكنها كانت سردية انتقائية. في تلك الفترة، كانت هوليوود تنتج مئات الأفلام عن معاناة اليهود في الحرب العالمية الثانية، حتى أصبحت تلك المأساة جزءًا راسخًا في وعي العالم.
    لا أتذكر كم عدد الأفلام التي شاهدتها عن “El diario de Anne Frank”, “مذكرات آن فرانك” التي عُرضت على التلفزيون الإسباني. لم يكن هناك أي حضور يُذكر لمعاناة الفلسطينيين، وكأنها لا تستحق أن تُروى أو تُرى.
    هذا التفاوت لم يكن بريئًا، بل كان شكلاً من أشكال إعادة تشكيل الوعي العالمي وتوجيهه نحو رؤية واحدة. غير أن ما حدث وما زال يحدث اليوم في غزة كسر هذا الاحتكار، فلم تعد الصورة حكرًا على هوليوود ولا على الإعلام التقليدي.
    لقد بدأ الناس يرون الحقيقة مباشرة، دون وسيط، وبدأت الرواية تتصدع تحت ضغط الواقع. وهنا تتجلى الخسارة الأعمق: ليست في الاقتصاد أو السياسة، بل في فقدان السيطرة على نظرة العالم.

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
"فلامات" الاتحاد الدستوري
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 22:41

"فلامات" الاتحاد الدستوري

صوت وصورة
بنعتيق في "دوار الكورة"
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 20:58 2

بنعتيق في "دوار الكورة"

صوت وصورة
قواعد الانتخابات التشريعية
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 20:06 1

قواعد الانتخابات التشريعية

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | دبلوماسية الجزائر على المحك
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 19:00

أبعاد استراتيجية | دبلوماسية الجزائر على المحك

صوت وصورة
حملة مرشح "الأحرار" في مديونة
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 18:53 3

حملة مرشح "الأحرار" في مديونة

صوت وصورة
"الأحرار" يدعو المغاربة إلى التصويت لـ"الحمامة"
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 18:00 12

"الأحرار" يدعو المغاربة إلى التصويت لـ"الحمامة"