من المعلوم بالضرورة اليوم أن الأمية لم تقتصر على عدم معرفة القراءة والكتابة، مما يدفع الجهات المعنية باستدراك هذا القصور المعرفي من خلال تنظيم برامج لمحو هذا النوع من الأمية. إلا أن الأمية أصبحت في عالمنا المعاصر تتخذ أشكالا متنوعة، من أمية هجائية إلى أمية وظيفية مرتبطة بعدم التحكم في المهارات الحسابية والكتابة والقراءة في الحياة اليومية، إلى الأمية المعلوماتية المرتبطة بعدم التعامل مع التكنولوجيا الحديثة، إلى الأمية الثقافية المرتبطة بالتوفر على الحد الأدنى من الإلمام بالمعرفة بالقيم وبالموروث الثقافي وخصوصياته، والوعي بمتطلبات المحيط بكل بنياته وتشكلاته. إلا أن أخطر أنواع الأمية هو ذلك النوع المرتبط بحل المشكلات والأزمات المختلفة، والمتمثلة أساسا في غياب تملك المهارات والطرق والأساليب المنهجية لممارسة التفكير الإيجابي والتعامل بحرفية مع الأزمات، والإبداع في حل المشكلات بطرق راقية.
سبب نزول هذا الكلام هو ما عرفته جلسة مجلس الأمن الدولي التي أدرجت فيها قضية الصحراء المغربية، خاصة فيما يتعلق بتمديد مهام بعثة المينرسو بأقاليمنا الجنوبية…مقترحي قانونين…فيتو من هنا ورفض دولي واسع للمقترح الروسي من هناك…أغلبية مؤيدة لموقف المملكة المغربية…تم بلاغ الديوان الملكي الذي فصل بين الحق والباطل…
في زحمة الأحداث أخذ الكلمة ممثل قصر المرادية…رفع عقيرته بشهيق ونهيق رغم أن الجزائر تصدح صباح مساء أنها غير معنية بقضية الصحراء…بعد أن تعرت عورة الرجل/النظام الجزائري، وظهر للعالمين ما يخفي صدر أسياده من غل…وتجلت أميته للقاصي والداني…تدخل ممثل المملكة المغربية السيد عمر هلال متقمصا -من حيث لا يدري-مهمة الأستاذ الجهبد الذي عليه أن يساهم في محو الأمية بمجلس الأمن لممثل الجزائر…
كلمة السيد عمر هلال تضمنت سيلا من الأسئلة موجهة بشكل مباشر للتلميذ المتعثر في مساره الدراسي…لم يكن السيد عمر هلال يكتفي بطرح السؤال فقط… بل كان يصر على تقديم أجوبة تفحم التلميذ، بل تقزمه وتقزم من خلاله أسياده…
أربعة محاور مفصلية تضمنتها مداخلة السيد عمر هلال، تمحورت حول تسجيل اللاجئين وحمايتهم، وحقوق سكان مخيمات تندوف، والوضع الغذائي والمساعدات الإنسانية، وختم بالرد الجزم على الطرهات التي قدمها التلميذ الجزائري المتعلقة بالمقارنة بين القضية الفلسطينية والصحراء المغربية.
في البداية، وبعد تقديم الشكر الواجب للرئيسة، عبر السيد عمر هلال عن امتنانه “لأخيه” “سعادة سفير الجزائر”…كلام بحلاوة العسل الصافي/الحر، لكنه وقع جمرا ملتهبا على التلميذ…فهذا التبجيل الرسمي والافتتاحية الدافئة لم تكن إلا تمهيدا لفتح أبواب جهنم على ممثل الجزائر…
بعد ذلك سأله السيد عمر هلال عن سبب تواجده ضمن الحاضرين، وهو غير معني بموضوع الاجتماع-حسب الدولة الجزائرية-…سؤال ثقيل ثقل جبال الأوراس التي يعرفها وتعرفه…ملامحه كانت توحي بأن الرجل تمنى الموت لحظتها على أن يهان بتلك الطريقة الراقية…(جاي بلا عرضة).
واستمر السيد عمر هلال في طرح أسئلته الحارقة…ويجيب عن كل سؤال بطريقة تجعل المتلقي يقتنع بصدقية الطرح المغربي، وفي نفس الوقت يزدري مضامين كلمة التلميذ الجزائري…
كان المشهد عبثيا للغاية…يشعرك بضعف التلميذ وقوة الأستاذ…صورة من صور محاربة الأمية بمجلس الأمن…بل محاربة البلادة كما هي متعارف عليها في علم السياسة بكل ما تحمل من سلبياتها المتجلية في فقدان الوعي بمآلات الأمور، وانعدام الإدراك للمحيط بما يحمل من مستجدات، وعدم الشعور بالمسؤولية لدى الفاعل الدبلوماسي اتجاه الأزمات والقضايا الدولية.
دمت السيد عمر هلال صوتا مغربيا، مدافعا عن قضايا هذه الأمة العريقة بكل تفان وإخلاص في أمهات المحافل الدولية، وأستاذا متفانيا في تلقين الدروس لخصوم وحدتنا الترابية.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.