مؤشر قرائي خطير
تُشكل القراءة العصب الأساسي لاكتساب المعرفة وتطوير الفكر النقدي لدى الناشئة، غير أن واقعنا التعليمي والتربوي اليوم يكشف عن تراجع ملحوظ في العادات القرائية لدى التلاميذ، وهو ما عكسته بالأرقام والوقائع تقارير دولية ومؤشرات قياس متعددة.
تظهر نتائج برنامج تقييم التلاميذ الدولي (PISA 2025) الصادر عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) أزمة حقيقية في فهم المقروء لدى التلاميذ المغاربة في سن الخامسة عشرة؛ حيث احتل المغرب المرتبة 86 عالمياً من أصل 89 نظاماً تعليمياً بمعدل 321 نقطة (بتراجع 18 نقطة عن دورة 2022)، بينما صُنف في المرتبة 82 عالمياً في الترتيب العام للتعليم. والأخطر من ذلك هو أن 87% من التلاميذ يوجدون دون مستوى الكفاءة الأساسي في القراءة. ولا تتوقف هذه الفجوة عند المرحلة الإعدادية، إذ تظهر بذورها مبكراً؛ حيث تذيل المغرب تقييم مؤشر PIRLS لمهارات القراءة في المستوى الابتدائي بحلوله في المرتبة ما قبل الأخيرة من بين 57 دولة. وعلى مستوى المجتمع ككل، جاء المغرب في المرتبة 92 عالمياً من أصل 102 دولة في مؤشر مجلة CEOWORLD لمعدل قراءة الكتب بمتوسط 67 ساعة سنوياً للمواطن، وهو ما انعكس أيضاً على مقياس مؤشر المعرفة العالمي (2025) الذي حل فيه المغرب في المرتبة 89 عالمياً من أصل 195 دولة.
الدبلوم المغربي الحالي وتحديات الاعتراف الدولي
تنعكس هذه الأرقام المتدنية؛ في مؤشرات القراءة والفهم بشكل مباشر؛ على القيمة الأكاديمية للدبلوم المغربي؛ إذ تشترط معظم الدول والمؤسسات الأكاديمية الدولية إجراءات معادلة معقدة، أو سنوات تحضيرية إضافية، واختبارات إعادة تقييم لا تعترف بالشهادة الوطنية بشكل مباشر. وتتبسط هذه الإشكالية استناداً إلى نتائج التقييمات الدولية، فالقراءة هي المدخل الأساس للتحصيل، وحين يعجز 87% من التلاميذ عن بلوغ المستوى الأساسي في فهم المقروء، فإن ذلك يعني تراجع جودة المخرجات التعليمية ككل، وضعف القدرة على التحليل والبحث العلمي. ونتيجة لذلك، تنظر الأنظمة التعليمية الدولية إلى الدبلوم كوثيقة تفتقر إلى الكفايات اللغوية والمعرفية والمهارية الصلبة التي تضمن جاهزية الطالب للمنافسة الأكاديمية أو سوق العمل العالمي.
أسباب التردي والتراجع
يرجع هذا الانحسار المقلق إلى تداخل عوامل متعددة؛ أبرزها السطوة الرقمية للمحتوى البصري السريع على حساب الكتاب الورقي، وهشاشة البنية التحتية القرائية داخل أغلب المؤسسات التعليمية، فضلاً عن غياب قدوة تقرأ داخل الأسرة، والتساهل في التقييم المدرسي الذي أضعف دافعية التلميذ لبذل الجهد للتمكن من اللغات ومهارات الفهم.
وللنهوض بالقراءة لدى الناشئة، يتوجب اعتماد مقاربة مزدوجة تقوم على الصرامة في التقويم والسخاء في التحفيز:
بث جو الصرامة في التقييم
عبر جعل الفهم القرائي والتحليل شرطاً أساسياً للانتقال بين المستويات، وإدراج المطالعة الحرة ضمن نقاط المراقبة المستمرة باختبارات تقيس نقد النص واستخلاص الفكر بدلاً من الحفظ والتكرار.
تخصيص حوافز مادية وأدبية
مادياً، تقديم منح وقوائم شراء كتب وتجهيزات رقمية للمتفوقين والمؤسسات الفائزة بتحديات القراءة.
أدبياً، منح ألقاب شرفية كـ”سفير القراءة”، وتكريم المتميزين في حفل سنوي، ونشر مراجعاتهم لتعزيز ثقتهم بأنفسهم.
إن إنقاذ الجيل الجديد من العزوف القرائي هو مسؤولية مشتركة تستدعي حزماً تربوياً وتشجيعاً مستمراً لإعادة الكتاب إلى مكانته الطبيعية، واستعادة الثقة في جودة ورصانة الدبلوم الوطني.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.