استبعاد السنة

استبعاد السنة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 19:43

لم يعُد نقاش حُجّيّة السّنّة النّبويّة الشّريفة، ذا أهمّية في تقديري على الأقلّ، ما دامت النّصوص القرآنية الصّريحة، تأمر المسلمين بأخْذ ما جاء به النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتُقْرن طاعة النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بِطاعة الله تعالى (1).

إنّما الإشْكال بصريح العبارة، يكْمن في المبرّرات التي يعتمدها أولئك المسمّون “قرآنيّين”، لٱسْتبْعاد “السّنّة” التي بين أيْدينا، والإكْتفاء بالتالي بالقرآن الحكيم، المحْفوظِ وحْدَه من طرف ربّ العالمين.

إنّنا نعلم مُسبقاً ونتفهّم، موْقف المحافظين المُنافحين على هذه “السُّنّة”، بٱعْتبارها تشكّل أغْلب “الدّين” الذي يدينونَه، لذلك يسْتميتون من أجْلها، ربّما أكثر من التّوحيد نفْسِه، بل حتّى لو تطلّب أمْر الدّفاع على هذه “السّنّة”، الإساءة للنّبي (صلى الله عليه وآله وسلم). إنّهم ينْطلقون من مُسلَّمة جاهزة؛ مفادها أنّ؛ “الصّحابة كلّهم عُدول، يسْتحيل توطُؤهم على الكذب، وقد فَرَزهم “علْم الرّجال” بالجرْح والتّعْديل..”، دون الإنتباه أو دون الرّغْبة فيه، إلى أنّ بناء الأعْمدة الأولى لهذه المسمّاة “سنّة”، تمّ في ظروف مشْبوهة.

فلِما إذاً أُحْرقت السّنّة النّبويّة الشّريفة ومُنع التّحديث بحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، مباشرة بعد ٱرْتقائِه للباري عزّ وجلّ! سيقولون: “حتّى لا تخْتلط بالقرآن”، عجيب! أوَلا يقْرأون قولَه تعالى: “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” سورة الحجر 9.

ثمّ أين خطب النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، التي ناهزت السِّت مائة في ظرْف ثلاثة وعشرين سنة من عٌمر البعْثة المحمّدية؟ سيقولون “وقْتها لم يكن العرب يكْتبون”، سبحان الله قد كتبوا المعلّقات وحفظوها، لكن لم ينْتبهوا لقولِه تعالى “وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ” سورة البقرة 282.

ثمّ أين روايات “أهْل الكِساء” وهم أقْرب النّاس للنّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ سيقولون: “لم يكونوا يهْتمّون بالتّحديث، وأتوا وهم صغار..”، بل لبثوا فيكم زمناً، كان الأوْلى أن نجد لهم المئات، كما لأبي هريرة الألوف من الرّوايات في ظرْف سنة من صُحْبة النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (2).

ثمّ لماذا ترْميز بعض الأحاديث، كأنّنا نقرأ طلاسيم الأوّلين، من قبيل: “فلا؛ كذا وكذا، كان ما كان؛ قال قولا..”، فأين الأمانة العلميّة على الأقلّ؟ لأنّه من حقّنا أن نعرف من هو هذا الفُلان؛ وماذا قال..، لأنّ العقْل المعاصر، لم تعد تنْطلي عليه رواية “قتله الجنّ!

أظنّ يكْفي من ظُلم الجنّ، وظُلم البهائم والدّاجن، الذي “أكل آيات من الذِّكر الحكيم”، يكْفي من ٱسْتغباء عقول النّاس، ولذلك ومن أجْله وجب، في مرحلة أولى وبشكل مؤقّت، ٱسْتبعاد هذه المُسمّاة “سنّة”، لا إنْكاراً لدوْر السّنّة النّبويّة الصّحيحة والحقيقيّة في التّشريع، على أمَل البحْث والتّعرّف على الحقّ، الذي “لا يُعْرف بالرّجال، ولكن بمعْرفة الحقّ يُعرف الرّجال”.

الهوامش:

(1) قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا” سورة النساء 59.

في هذه الآية قال تعالى “أطيعوا” في حقّه سبحانه ثمّ قال “أطيعوا” الثانية في حقّ رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقرن بذلك طاعة النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بطاعته سبحانه وتعالى.

(2) أنظر مقالنا “أزمة الأمانة العلمية”، جريدة هسبريس، 3 ماي 2026، وكذلك مقالنا “استشهاد عليّ”، 4 مارس 2026.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09

شوكي: المواطن والمغرب العميق

صوت وصورة
بنعبد الله والتغطية الصحية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:40

بنعبد الله والتغطية الصحية

صوت وصورة
أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:30

أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي

صوت وصورة
المنصوري: سألجأ إلى القضاء
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:10

المنصوري: سألجأ إلى القضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:34

الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد

صوت وصورة
بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:29

بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"