أعيدوا أبناءكم إلى حضن هذا الوطن؟

أعيدوا أبناءكم إلى حضن هذا الوطن؟
السبت 7 نونبر 2015 - 12:15

ليست المواطنة مجرد جنسية تسافر معنا في جوازاتنا، ولا بقعة جغرافية نتقاسمها مع جماعة نفترش وإياها بساط المكان والثقافة والقيم، ولا قوانين مرصوصة في دساتيرنا ومراسيمنا القانونية، ولا شعارات تحلق في سماء خطاباتنا، ولا مجرد معرفة وثقافة، بل هي آصرة وجدانية وعاطفية تشدنا بوطننا، وسلوك وممارسة يجدان مصبهما الطبيعي في كل محيط حياتنا، و”عقد اجتماعي” حسب روسو ينسجه المواطن مع الدولة، قوامه أن المواطن ليس من الرعايا يجيد الامتثال والخضوع فقط، بل له حقوق يتنفسها في سماء وطن حر وواجبات لا سبيل للتبرم أو التملص منها، وأن حقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ليست مِنّة أو هبة من أحد، ولا نحتاج إلى التلفع بأردية الرشوة أو التزلف والتملق والمراوغة… للظفر بها، وأن الوطن ليس بقرا حلوبا، بل أما حنونة علينا حمايتها ورعايتها والانتماء إليها بحب وشفافية ووعي ومسؤولية ومبادئ وأخلاق بعيدا عن كل انتهازية ووصولية.

هي الشعور بالانتماء لوطن آمن عادل، كحاجة ضرورية على الإنسان إشباعها ليقهر عزلته وغربته حسب إيريك فروم، كي لا يكون مجبرا على تدمير ذاته وإحراقها ولا مجبرا على تهجير جسده ودماغه، والحظوة في وطنه بحياة جديرة بإنسان له كرامة، بديمقراطية ومساواة وتكافؤ للفرص، وطن يعترف بكفاءته وقدراته، وطن يساهم “المواطن”في نسج خيوطه وصوغ قراراته، وطن يمنحه القدرة على التفكير والإبداع والتخييل والمشاركة وحرية المعتقد، وطن يستشعر في ردهاته أنه ليس مجرد متفرج سلبي بل مشارك ومحاور وصانع للسياسات وناقد لها، وناخب ومنتخَب ومحاسب لمؤسسات الدولة، وطن يسع الجميع بكل اختلافاتهم وتنوعهم وبلا تمييز وإقصاء وتهميش على أساس المعتقد والأصول القومية والعرقية أو الجنس أو اللغة أو الايدولوجيا.وطن يضع الدساتير بطريقة توافقية تراعي مصالح وحقوق كل فئات وطبقات المجتمع دون التقوقع في كهف ضيق أحادي الخطاب.

ليست المواطنة مجرد فضاء جغرافي يلمنا، بل نضال وتعايش وتساكن وتشارك كي نكون جديرين بدفق هاته الكلمة “المواطنة” في عروقنا، هي وسيلة لا هدف لحياة أفضل وأكثر ديمقراطية. لهذا، فكلمة “مواطنة”، حسب المفكر المغربي محمد عابد الجابري، مشتقة من الفعل الثلاثي المزيد “واطن” أي شارك وعايش وساكن وليس “وطَّن” أي أقام وسكن.

ليست “المواطنة” رجلا فقط يمارس الشأن العام ويحتل المجال العمومي وحده، ولا امرأة مواطنة من الدرجة الثانية أو غير مكتملة المواطنة، بل المواطنة هي ثنائية رجل وامرأة وبوجودهما معا ندلف فعلا مجتمع المواطنة.

تغتني المواطنة بسيرورة المجتمع وبالتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وبمدى وعينا بتلك بالسيرورة، ولا يتشكل دفعة واحدة، وكلما تراجعت سيطرة القوى الظلامية المعادية للتنوير المؤيدة للفكر القروسطوي الرجعي، و حلت تلك الساعية إلى العصرنة والتحديث ، كلما اغتنت “المواطنة” بحزمة من الحقوق والواجبات.

وفعلا، فقد اغتنت المواطنة بالمغرب بصوت الثورات العربية الصادح وبحركة 20 فبراير، وانتعشت بقيم التمرد والاحتجاج والتغيير والتحدي والجرأة والمجابهة ضدا على ثقافة الخوف والطاعة والخنوع التي طالت الشعوب لأزمنة خلت، وأعاد الربيع العربي النقاش حول المواطنة إلى الواجهة، ، لكن أكثر ما يرعب المواطنة” ويفقرها هي تلك النزعات الطائفية والعرقية والاثنية التي توهن هاته المواطنة وخاصة إذا جوبهت هاته القوميات والأقليات بالإقصاء والتهميش بعيدا عن لغة الحوار والتعايش.مما يستلزم إعادة نسج مفهوم للمواطنة بشكل يشمل مكونات هوية جامعة للإنسان بمختلف مكوناتها وغناها.

كما اغتنت المواطنة بالثورة المعلوماتية وبقيم “العولمة”، تلك التي ألغت الحدود وجعلتنا أمام “مواطنة عالمية” أو “مواطنة متحركة”، حيث صار وعينا والتزامنا ومسؤوليتنا لا تتقيد بدائرة وطنية محددة، بل تتجه صوب مشاكل إنسانية كخطر الإرهاب، ومشاكل بيئية كالاحتباس الحراري وانتهاكات حقوق الإنسان والفقر والمجاعة وغير ها من الأزمات التي تطال شعوبا قصية مكانيا ولكنها قريبة منا إنسانيا ووجدانيا.

لقد صار من الضروري بعد 20 فبراير، بناء عقد جديد بين المواطن المغربي ووطنه، عقد يعيد له الكرامة والعدالة التي طالما بح صوته من أجلها في سنوات خلت. عقد ينسجه بدءا من طفولته في إطار تربية أسرية ترضعه حليب حقوقه كطفل وراشد، وكذا قيم الالتزام والمسؤولية والتفاني في خدمة هذا الوطن وقيم الافتخار والاعتزاز بتاريخ وثقافة مجتمعه، ويتشرب عبر هاته التربية قيم المواطنة قطرة قطرة في المناهج التعليمية، كي يعي الطفل جيدا ما له من حقوق وما عليه من واجبات.

يعز علينا أن نجد أطفالا بلا هوية في حضن بعثات أجنبية ومدارس خاصة، غير معنيين بما يجري في وطنهم، يستهينون بوقفة النشيد الوطني الذي لطالما اقشعرت له أبداننا، أطفال لا يربطهم بالمكان سوى شهادة الميلاد، وأنا على يقين أن أولياءهم وهم يبنون الجدار بين أولادهم وبين لغتهم وتاريخهم وثقافتهم وتراثهم، إنما يوهنون هم أيضا علاقتهم الأسرية بأبنائهم، ويجتثون بعنف جذورهم، ويمسحون ملامح هويتهم، فحضن الوطن وإن قسا أحيانا فهو ليس أقل دفئا من حضن الوالدين، فهلا أعدتم أبناءكم إلى حضن وطنهم ؟ هلا أعدتم أبناءكم إلى حضنكم؟.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • مواطن مغربي
    السبت 7 نونبر 2015 - 17:53

    دافع عن الوطن الحبيب!
    عن الحروف أم المعاني ؟
    ومتى ؟ وأين ؟
    بساعة بعد الزمان
    وموقع خلف المكان ؟!
    وطني ؟ حبيبي ؟
    كلمتان سمعت يوما عنهما
    لكنني
    لم أدر ماذا تعنيان !
    وطني حبيبي
    لست أذكر من هواه سوى هواني !
    وطني حبيبي كان لي منفى
    وما استكفى
    فألقاني إلى منفى
    ومن منفاي ثانية نفاني !
    ***
    دافع عن الوطن الحبيب
    عن القريب أم الغريب ؟
    عن القريب ؟
    إذن أدافع من مكاني .
    وطني هنا .
    وطني: (أنا)
    ما بين خفق في الفؤاد
    وصفحة تحت المداد
    وكلمة فوق اللسان .
    وطني أنا: حريتي
    ليس التراب أو المباني .
    أنا لا أدافع عن كيان حجارة
    لكن أدافع عن كياني !

  • الوطنية أم التضحية
    السبت 7 نونبر 2015 - 21:05

    أحيي الستاذة على وطنيتها، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه…
    كيف يمكن الحفاظ على الهوية المغربية وعلى الروح الوطنية في ظل تعليم عمومي متذبذب لم يستقر على حال أو منهج؟
    لقد اختار الآباء المدارس الأجنبية والخصوصية لضمان مستقبل ابنائهم وذلك بسبب "جودة" التعليم وتعلم اللغات الأجنبية وخاصة الفرنسية التي لها الحظوة في الشركات.
    الآباء وجدوا أنفسهم مرغمين على تسجيل أبنائهم بالمدارس الخصوصية ودعمهم بتعلم لغات أخرى كالانجليزية والاسبانية، وهذا كله من أجل ضمان عمل بالشركات الأجنبية والمغربية المستثمرة في مختلف المجالات.
    لقد تورط الآباء في مصاريف التمدرس التي تفوق مصاريف المعيشة بأضعاف، وبل واصبحت عدة اسر تعيش بالسميك بعد تبخرت الرواتب في التمدرس…
    السبيل الوحيد لاعادة تربية المغاربة على الوطنية هو تعليم عمومي جيد يلجه الجميع حتى تتكافئء الفرص.
    شكرا

  • مواطن
    الأحد 8 نونبر 2015 - 16:31

    أحيي الأخت على المقال الرائع و على النقطة المهمة التي اشارت إليها و هي التعليم، فليست المدارس الأجنبية التى ستقوم بتمرير الثقافة و الروح الوطنية و تنميتها في عقول الأجيال القادمة التي نعول عليها لتدبير شؤون بلدنا الحبيب.

  • ملاحظ*
    الأحد 8 نونبر 2015 - 21:44

    المدرسة لا تعمل إلا على إعادة إنتاج نفس الطبقات الاجتماعية التي لا تكف عن التجدد بنفس الوثيرة، فلنعمل على إصلاحها..الإدارة عالم مغلق على نفسه وعلى أبوابها متاريس الأعيان الجدد الذين يمارسون احتكارها وكأنها منازلهم، فوجب إصلاحها..السياسة الحزبية لا زالت تجتر السلوكات المسببة للجمود والعقم الديمقراطي الوطني، فيلزمها إصلاح نفسها..الأسرة انشغلت وتخلت عن تربية الأبناء وتركتهم للاستهلاك المستورد وعشوائية العبث دون اكتراث، فوجب أن تقوم نفسها وأخلاقها..إذن من أين سيأتينا الوعي بالمواطنة..شكرا على المقال

  • خديجة وسام
    الإثنين 9 نونبر 2015 - 14:55

    إن كانت ثقافة وطني بلغته الوطنية ملغومتان بالإنغلاق وبإقصاء الآخر : خاصة الأنثى والذين لا ينخرطون في معتقدنا، فإنه لمن الأفضل أن تحتضن أبناءنا وبناتنا مدارس وثانويات وجامعات قد نعتقد أنها دخيلة بينما هي مبنية على ثقافة الإنفتاح عوض مواطنتنا المتقوقعة والخوافة من ظلها حيث لم تقرر بعد نقد نفسها، بمعنى أننا ، أنا وأنت وهو، لم نقرر بعد نقد ذواتنا. فنعم للمواطنة الصادقة المتلهفة للحرية والإنعتاق وألف لا لا لا لمواطنة عتيقة وطائفية تقصي كل مناختلف عن الجماعة. علينا أن نخرج من الخطابات الإنفعالية المضللة التي لن تفيد أجيالنا في شيء. علينا أن نراجع أسس عقدنا السياسي إنطلاقا من مثلث شعاره الذي لا يمنح أي حرية للضمير وللإعتقاد. الحرية تنقصك يا وطني.

صوت وصورة
"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 00:30

"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"

صوت وصورة
لقجع وواقع الصحة بالمغرب
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:56 1

لقجع وواقع الصحة بالمغرب

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09

شوكي: المواطن والمغرب العميق

صوت وصورة
بنعبد الله والتغطية الصحية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:40 1

بنعبد الله والتغطية الصحية

صوت وصورة
أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:30 6

أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي

صوت وصورة
المنصوري: سألجأ إلى القضاء
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:10 7

المنصوري: سألجأ إلى القضاء